محمد محمد أبو موسى
499
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
نفوسنا إلى معنى مجازى للافتراس ، أي شدة القتل مثلا ، فان التصور حينئذ يكون أضعف في نفوسنا من الأول ، وهذا لا ينفى أن اللفظ المستعمل في غير معناه لعلاقة المشابهة لا يتجرد من معناه الأصلي ، فلفظ الأسد يصور في النفس صورة الحيوان المفترس وان كان منقولا إلى الرجل الشجاع . والزمخشري يدرك ما في هذه الاستعارة من القدرة على التصوير والتشخيص ، ويظهر ذلك في شرحه لأساليبها ، يقول في قوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً » « 74 » : « جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه ، وهي من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة » « 75 » . ويقول في قوله تعالى : « وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ » « 76 » : « هذا مثل ، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ، ويقول له : قل لقومك كذا ، وألق الألواح ، وجر برأس أخيك إليك ، فترك النطق بذلك ، وقطع الاغراء ، ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح الا لذلك ، ولأنه من قبيل شعب البلاغة ، والا فما لقراءة معاوية بن قرة « ولما سكن عن موسى الغضب » لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزة ، وطرفا من تلك الروعة » « 77 » . وقد عرض الزمخشري لمثل الاستعارة الأصلية والتبعية ولكنه لم يفصل القول فيها ويشير إلى استعارة المصادر فيما يكون الفعل فيه مجازا . يقول في قوله تعالى : « وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا » « 78 » :
--> ( 74 ) الفرقان : 53 ( 75 ) الكشاف ج 3 ص 226 ( 76 ) الأعراف : 154 ( 77 ) الكشاف ج 2 ص 128 ( 78 ) الزخرف : 45